الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فيلم "اتركوا يمليخا وشأنه" يفضح الكارثة البيئية التي تهدد الشريط الساحلي بكل من قليبية وحمام الغزاز والهوارية والصمت الاجرامي للحكومة

نشر في  05 أوت 2019  (18:39)

يَفتح فيلم "اتركوا يمليخا وشأنه" للمخرج جهاد بن سليمان الباب على جُرح حيّ، جرح التلوّث البيئي الذي طال الشريط الساحلي بكل من قليبية وحمام الغزاز والهوارية.

ويسعى الفيلم، وهو من النوع الوثائقي، الى كشف معالم الكارثة البيئية التي باتت تهدد الجهة بسبب النفايات التي يتم التخلص منها في سبخة حمام الغزاز ومصب الهوارية فضلا عن المياه الملوّثة التي يلقيها ديوان التطهير وشركات الطماطم والسردينة مباشرة في البحر في ظلّ صمت اجرامي ومريب للحكومة ومقاومة حثيثة لناشطين بالمجتمع المدني بالجهة للتحسيس بضرورة وضع حد لهذا التلوث، فـ"بحر قليبية وما جاورها لن يكون كما هو عليه اليوم بعد 4 أو 5 سنوات" يقول أحد المتدخلين الذين استجوبهم المخرج.

طيلة سنتين، حمل جهاد بن سليمان القضية على عاتقه مقررا نقلها للرأي العام في شكل عمل سينمائي أنجزه بمعية عدد من أعضاء نادي سينما الهواة بحمام الغزاز ليُرفع الستار عن الفيلم لأول مرّة يوم السبت 3 أوت في اطار الدورة 34 للمهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية.

تلعب الكاميرا في فيلم "اتركوا يمليخا وشأنه" دور الشاهد على حجم الكارثة، على جبال النفايات، على أطنان القمامة، على أكوام الفضلات التي غزت الساحل البحري. فأينما وجّه الفرد بصره في هذه الأماكن، تحاصره النفايات: الى البحر حيث تلفظ قنوات الصرف مياهها المستعملة بلا حساب، على الطريق يمينا وشمالا، في الأراضي الفلاحية والأخرى المتاخمة للبحر (مثال مصب حمام الغزاز القريب من الشاطئ)، في مرآة السيارة العاكسة، على الواجهات البلورية. وحتى الأفق أعلن انهزامه أمام فداحة المُصاب بعد أن حجبت رؤيته جبال الفضلات. مشاهد تلوّث كابوسيّة تتصاعد منها الأدخنة وتَنفُق فيها الحيوانات ويتجمع فيها كلّ "ما مات". هكذا صوّرها جهاد بن سليمان في فيلمه كاشفا فظاعة الاشكال البيئي المُتربص بالجهة.

وفي هذا السياق، تُشكلّ الصور والشهادات والرسوم التوضيحية القرائن التي تُثبت أركان الجريمة، جريمة الدولة الصامتة على التجاوزات البيئية والشركات الخاصة المستهترة التي لا تتوانى على القاء فضلاتها مباشرة في البحر. ويقف قبالتها البحار والفلاح والعامل البسيط والنقابي والناشط بالمجتمع المدني والسينمائي رافعين ألوية الدفاع على الهوية البيئية للمنطقة ورافضين الاستسلام للأضرار الرهيبة التي تهدد سلامة المحيط البيئي برمّته. ينقل المخرج شهاداتهم لأنها تمثل صوت الحق وصوت المتضرر الاول من الانتهاكات، وصوت الضعيف الذي لا يجد من يأخذ بيده، فهذا فقد صابته الفلاحية بعد ان غمرتها المياه المستعملة، وهذا أصيب بمرض خبيث بعد انتشار الناموس في المصبات، وهذا مرض كمدا بسبب ما لحق مسقط رأسه من خذلان. 

وقد استلهم المخرج عنوان فيلمه مما جاء على لسان أحد مستجوبيه (كاتب عام اتحاد الشغل بالهوارية) الذي استحضر شخصية "يمليخا" لتوفيق الحكيم من رواية "أهل الكهف"، "يمليخا" هذا الحكيم المتماهي مع الطبيعة. صوته، صوت الحكمة والتعقل عممّه المخرج على كلّ شخصيات الفيلم سواء كانوا بشرا او حيوانات -مثلما ورد في الجينيريك الأخير للفيلم- ليؤكد على حق الجميع في بيئة يطيب فيها العيش دافعا المتفرج في نفس الوقت للتساؤل عن دور وزارات السياحة والبيئة والفلاحة، فما الذي تفعله هذه الإدارات للحد من أثار التلوث بالجهة، ما الذي تتخذه من تدابير حتى لا يصبح مصير بحار قليبية والغزاز والهوارية محكوما بالفناء كما حصل لعدّة بحار تونسية أخرى مثل إبادة بحر قابس (من ابشع الكوارث البيئية في تونس) وبحار الضاحية الجنوبية للعاصمة وغيرها، وقد كانت منذ عشريات خلت من أجمل البحار في العالم.

"اتركوا صوت الحكمة (يمليخا) يعلو"، "اسمحوا للمواطنين بالعيش في محيط سليم"، يقول جهاد بن سليمان في فيلمه المباشر والشاعري في نفس الوقت. فيلم وثائقي ذو ايقاع محبوك يكشف حقائق مفزعة عن التلوث البيئي دون ان يتخلى عن جمالية الصورة وشعريتها. 

شيراز بن مراد